مشاهدة النسخة كاملة : صعود القمر...((قصة رائعة))
ثلاث أيام مضت دون ان يأتي ((سعود)) إلى بيتنا...
هذه أول مرة يتغيب فيها كل هذه المدة ...منذ ولدته جارتنا ((منيرة)) و هو لا يعرف مكاناُ غير بيتنا...كأن أمي هي أمه و كأن أمه هي أمي...
تعلق بي منذ الشهور الأولى..و هو الآن في السابعة من عمره لكنه لا يزال ذلك الطفل الذي لا يحب شيئاً في الدنيا مثلما يحب غرفتي هذه...يعرف كل تفاصيلها...و يعبث بكل شيء فيها...لا أستطيع أن أخفي عنه أسراري..إنه يفتح حتى رسائلي...و يقرأ فيها بطريقته المعثرة...و أضحك على لثغته الجميلة و هو لا يعبأ من ذلك بل يمضي و يعبث بكل شيء و حين أستفزه يبادلني بالإنزواء بعيداً و يقرر ألا يتكلم معي...و لا ينطق بأي كلمة أمامي...فلا أصدقه...و لكن ما إن يمضي شيء من الوقت حتى أشعر بأنه أبتعد هني بالفعل..و أن شيئاً من الوحشة قد أعتراني بسبب صمته ..فأذهب إليه و أغني:
_ ألا يا سعود ما شفت القمر.
فيبتسم قليلاً و ينظر إلي في حب و كأنه يتوقع مني كل مرة أن أغني له هذه الأغنية حتى يعود و يرضى..وحين لا يرد علي أستمر في الغناء..ثم يقول:
_إيه نعم شفته!
_وين شفته؟
_في عيونج..
ثم يختلط ضحكي مع ضحكه ..و أضمه..فيكاد يطير من الفرحة ..و يقول لي:
_كل يوم ودي أزعل عليج...
_كل يوم ؟ليش يا سعود..
_حتى تغني لي و تضميني..
_زين يا سعود...ما دمت تحب أن أغني لك تعال إذن...و أسمعني..قل معي:
آنه أسمي سعود..
و أنتي أسمج سعيدة..
يوم درز العود...
أيامي جديدة..
كان صوته جميلاً و هو يردد الأغنية معي..خاصة عندما يلثغ في نطق الراء فتبدو في فمه الصغير و كأنها بين الراء و الغين..أحس الآن بأن صوته الجميل يصدر من فرحة غامرة لا أعرف مصدرها لكنه كان يوحي لي أحياناً بعنى غريب و هو يلعب في غرفتي..
كأني أرى كل شي بداخله يركض..يركض إلى الأمام ..تماماً كما كل شي في داخلي كان يركض..يركض إلى الوراء...كنت أرد عليه حين يباهيني بأنه أكبرمني:
_خلك أكبر يا سعود و خلني أصغر..
_أنتي تصيرين أصغر؟
_نعم أصغر..
_يعني تبين آصير ((ريال))؟
و يمضي في خياله..أحاوول ألا أعبأ بما يفكر..أصمت عنه لحظات بينما هو يعبر الزمان و المكان...ينقلني من غرفتي إلى الخارج..و أنشغل عنه قليلاً ..بينما هو ينشغل في رسم وجوه جميلة يقول بأنها تشبهني..أفكر بعيداً عنه..أفكر في عدد الذين تقدموا للزواج مني و لكني كنت أرفض دوماً..كنت حين أتطلع إلى الواحد منهم أبحث عن شيء غامض يوجد في زمن بعيد..ربما في طفولتهم فلا أجد شيئاً و إنما أجدهم يرتدون أقنعة سميكة و مخيفة..منذ ثلاثة أيام فقط أنحسر جانب ما عن ذلك الشيء..لقد رأيت عبدالله إبن خالتي و طلب الزواج مني و بالفعل وافقت أمي كما وافق جميع إخوتي و أنتشر خبر ذلك بين جيراننا و أقربائنا ..و لا أدري إذا كان هذا الخبر قد عرف به سعود أم لا...
يتبع
لم ندرك في البيت كيف وصل الخبر إلى سعود...و من هو الذي نقله إليه...لكنا فوجئنا بغيابه منذ ثلاثة أيام عن الجلوس معنا على الغذاء..حين ذهبت إليه في الغرفة الصغيرة وجدته قد غطى وجهه بلحاف متحاشياً النظر إلى أي أحد...ناديته فلم يرد..قلت له:
_سعود حطينا الغدا..
ظل على الفراش دون حركة..لم أتمكن من رؤية وجهه..لو رأيته لكنت أدركت شيئاً على الأقل..جاءته أمي مرة ثانية و نادته فلم يجب...ظنت أنه نائم فتركته...لم يأكل و لم يشرب شيئاً حتى المساء...و لم يتحرك من فراشه..و لم يتكلم...و لم ينظر إلى أحد...بعد أذان المغرب جئت إليه فحدثته...كان صامتاُ..وضعت يدي على جسمه فوجدته يرتعد من البرد ..و يردد:
_سعيدة..سعيدة..
أخبرتني أمه :
_إنه كان يردد أسمك...
سمعته يردد بلا وعي أغنية مبهمة..مددت يدي تحت اللحاف ووضعتها على خده كي أجس حرارته...كانت الحرارة عادية..تركته و قلت لأمي دعيه الآن...و أستمر في الفراش...أهملناه طوال الليل...لم نعرف فيم كان يفكر..توقعنا أنه سينهض مبكراً للمدرسة كعادته..لكنه لم يتحرك من الفراش...حاولنا ايقاظه لكننا وجدنا انه لا يستطيع الحركة و لا الوقوف على قدميه...أوقفته فوجدته خفيفاً يرتعش كالعصفور..أشفقت عليه..و أعدته إلى الفراش...وو جلست بجانبه...و حين وجدته يهذي بأسمك...عرفت أن ما يعاني منه سعود أمر متصل بكي أنتي..لكنني لم أفهم هذا الشيء الغامض الذي جعله يتعلق بكي على هذا النحو..كنت أنظر إلى الأمر طوال الفترة الماضية على أنه تعلق عادي...قد يرى فيكي جمالاُ لا يراه في أحد... رقة و حناناً لا يراهما في أحد...حباً و عطفاً و أشياء أخرى كثيرة لا يراها في أحد غيرك...ربما لا يراها في أنا...أو حتى في أخته...في البداية فهمت الأمر كذلك ..لكن حين وصل خبر الخطوبة و الزواج بدا الأمر أبعد مما فهمت..لقد بدأ يدخل في حالة غريبة...بالأمس ..و عندما بدأ الليل أنتابته حمى شديدة لم تخففها الكمادات و لا الأدوية...اليوم ثالث أيام الحادثة التي يعاني منها سعود....في ثلاثة أيام أصبح جسمه هزيلاً ..عيناه زائغتان..وجهه أصفر..لا نكاد نسمع صوته ..و لا شيء على لسانه سوى...سعيدة...
و الآن فقدنا القدرة على أن نفهم ما يحدث لسعود...لا أخفي عليك..جميعنا بالبيت يشعر أنه يموت موتاً بطيئاً ..و اليوم سننقله إلى المستشفى...
يتبع
لم أقدر شيئاً مما يحدث لسعود...و لم أتوقعه...كنت أدرك بوضوح أنه كلما كبر أزداد تعلقه بي...لكنني كنت أندهش من بعض ما يقوله لي في عفوية لا حدود لها...في أحد الأيام من العام الماضي أحس بحركة غريبة في منزلنا...و أدرك بأن هذه الحركة لضيوف تقدموا لخطبتي و لم أوافق...حين دخلت غرفتي وجدته ينتظر...و يتصفح كتاب القراءة..سألني:
_ماذا حدث؟
_جماعة يخطبون..و أنا لم أفكر في الزواج بعد...أنا ما زلت أصغر منك يا سعود أليس كذلك؟
نظر إلي متبسماً و كأن شيئاً غمر وجهه بدفء خاص ثم قال:
_سعيدة..حين أكبر لا أحد سيتزوجك غيري أنا..
ضحكت حينها مبء قلبي..أخذته إلى جنبي و ضممته إلى صدري..و قبلته بحنان..و أنهيت له دروسه..ثم خرج لكن ظلت كلماته تثير ذاكرتي..أضحك لها تارة..و أستغرب تارة..و أفكر في عغويتها و براءتها مرة أخرى..
لست مضطرة لإعادة النظر في حدود المشاعر التي تشدني إلى سعود...بل أنا مرغمة الآن للتفكير بعمق فيما كنت ألاحظه على نفسي أولاً حين يكون معي في هذه الغرفة... شيء ما أبحث عنه في رجل لعله كان موجوداً في سعود ليس من الضروري أن يكون هذا الشيء هو ذاته الذي تبحث عنه كل أمرأة في الرجل الذي تحب و إنما يكون ذلك شيئاً خاص بي أنا..لم يكن سعود يستفز غريزتي..كان يستفز روحي...و لم تكن تصرفاته معي تنطوي على رغبات مبكرة...على العكس من ذلك..كانت براءته معي لا حدود لها..في إحدى المرات دخل علي الغرفة و أنا نائمة ..و أقترب مني دون أن أشعر به و قبلني على خدي برفق شديد...فأستيقظت وووجدته مرتبكاً..ناديته و قبلته فأنطلقت روحه في المكان و راح يشاغبني بأسئلته الكثيرة..
لم أضع حدوداً بيني و بين سعود ..كنت أعتبره أصغر أخوتي..و قد أرتدي أمامه الملابس الخفيفة دون حرج..أو يدخل علي و أنا أجفف شعري...لم أكن أضع إعتباراً لكونه صبياً..كنت أشعر بأنه ينتمي لروحي...أبتهج لطفولته و لعله في المقابل يبتهج لأسباب أخرى لم أكن أقدرها...
لا أعرف كيف تغاضيت عن خبر الزواج من أبن خالتي..مع أنني لم أمهد له مع سعود...كنت أدرك حساسيته الشديدة و كان علي الإحتياط على الأقل,,,لكن المشكلة بأن المسألة تمت بسرعة لم أتوقعها...حتى أمي لم تخطط لذلك...هل يستحق سعود ما يحدث له الآن مقابل خبر الزواج..آه كم هو مؤلم أن أتخيل فقط كونه يعاني المرض من أجلي..فكيف به الآن و عو في المستشفى غير قادر على الحركة...على النطق...و من يدري ربما يصبح غير قادر على أن يصبح حياً...ثلاثة أيام فقط بعد خبر الزواج و فعلت به ما فعلت...فكيف إذا أنتظرت أياماً أخرى؟؟إنني لا أطيق غيابه في هذه الأيام القليلة فهل سأطيق وداعه أو فراقه؟؟ من أين لي بصوته الذي يخرج من قلبي قبل أن يخرج من فمه؟؟ و من أين لي ببراءته و نزقه؟ و من أين لي بأغانيه؟؟ و أين لي بمخلوق أياً كان يستطيع أن يقترب من روحي كما أقترب سعود..و من أي لي بإنسان تقدر له الحياة و البهجة و العافية و دهشة البراءة و الطفولة...يٌقدر له كل ذلك تبعاً لما يٌقدر لي أنا...
هل هو مني و أنا منه إلى هذا الحدود دون أن أدري..كان يرى صعود القمر في عيني ..و قد غبت عنه الآن أكثر من ثلاثة أيام...آه ما أفظعني..ما أفظعني..
يتبع
دخلت ((سعيدة )) المستشفى كالمجنونة..كل شيء أمامها يبدو مفزعاً..الأبواب ..الكراسي ..البشر ..الممرات..العربات...خطى سريعة ..و أنفاس تترقب النظر لشيء عزيز...أقتربت من الغرفة رقم 13 دفعت الباب فوجدت السرير خالياً و لا أحد في الغرفة سوى صوت الماء في الحمام الداخلي ...خرجت منه الممرضة..سألتها بسرعة:
_هذه غرفة سعود؟؟
_سعود نُقل إلى التناية المركزة..
خغق قلبها و لم تستطع أحتمال الخوف..فألقت بجسمها على الكرسي..و ألتقطت أنفاسها بسرعة..و بعد لحظات قاومت خوفها و أنطلقت بسرعة إلى موقع العناية المركزة...عندما وصلت إلى البوابة و نظرت إلى الإضاءة الحمراء توقف بداخلها كل شيء إلا التفكير في سعود...لم تعد تفكر حتى في الزواج من إبن خالتها...إنها الآن مستعدة لأن تفعل أي شيء..و أن تتخلى عن كل شيء لأجله هو...لم تعد تفكر بأنها أكبر منه و أنه مجرد طفل صغير..أدركت بقوة أنه وحده ينتمي إلى مخيلتها و روحها و قالت في نفسها:
_ذلك فقط هو ما يبقينا أحياء أمام بعضنا بعضاً...
تطلعت إلى الحاجز الزجاجي..كان سعود غافياً و ثلاث ممرضلت ينشغلن يترقب حالته...تطلعت إلى أخته الواقفة عند الباب و طفرت من عينها دمعة..فتحت الباب دون أن تكترث بالممرضة التي حاولت معها...أقتربت منه..و أنكبت عليه تقبله على وجهه و رأسه ..أستيقظ سعود..نظر إليها و صعدت أنفاسه...رددت له بحنان شديد و دموعها في عينيها:
_ألا يا سعود ما شفت القمر؟
فجاوبها صوت بعيد و متعب:
_إيه شفت القمر...بعيونج........................
تمت....
للقاصة البحرينية: سعاد الخليفة...
شـــــــــــغــــــــــــ ـــاف
nasser96
23-11-2005, 03:10 PM
لي عوده 000
عاشقة أحمدي
23-11-2005, 03:23 PM
مشكوورة حبيبتي..
||.. ملاكـ ..||
23-11-2005, 03:50 PM
قرأت الجزء الاول
ولي عوده للباقي
مشكوره شغاف على القصه
الله يعطيك العافيه
zoooom بعد الانقطاع
23-11-2005, 05:05 PM
زهره مافهمت هو مات ولا شنو ترى دخلت في مود القصه بس مافهمت هو عاش ولا مات ولاتقولي مات لاني حبكي
مشكوره اختي الروشه
أخي عبدالرحيم...
مرحباً بعودتك في أي وقت...
بإنتظار تعليقك الكريم...
أختي..عاشقة أحمدي...
العفو...
و مرورك عطر الموضوع...
أختي زهرة الربيع...
الله يعافيك...
و حياك الله في أي وقت...
أختي زوومة...
دوماً أبتسم عندما أرى أسمك بين الردود...
غاليتي...الطفل مات....آسفة لأنه النهاية أصبحت بهذه الطريقة...
دمتم جميعاً....
أختكم..
شـــــــــــــــــــغــــــــــــاف
روح بلادي
23-11-2005, 09:43 PM
.*. شغاف .*.
مشكور وما قصــرتي .,
نتظر يديـــــدج .,
:040104_em
أخي ..روح...
شكراً لمرورك الكريم...
تقبل تحياتي ..
أختك...
شـــــــــــــغــــــــــ اف
.. CuTe BaBy ..
24-11-2005, 08:30 PM
قصة رائعة ... يسلمووو :smartass:
ليست بروعة حضوركم....و جمال طلتكم
دمتي بخير....كيوت كات...
أختك...
شــــــــــــــغـــــــــ ــاف
vBulletin® v4.0.1, Copyright ©2000-2010, Jelsoft Enterprises Ltd.
7dod Host