شغاف
04-12-2005, 09:03 AM
جلس مذيع برنامج (مواهب) المشهور يتأنق أمام مرآته قبل 3 دقائق من بدء البث المباشر لبرنامجه, الذي تبثه الدولة حرصا على تشجيع مواهب أبنائها في شتى المجالات, كالرسم و التأليف و التصوير و التمثيل...مع تخصيص جائزة ثمينة لكل فائز في كل مجال على حدة.....
كان هذا البرنامج الجماهيري الأشهر على المستوى المحلي, و قد حرص كل صاحب موهبة على المشاركة فيه,و أستمر البرنامج على نجاحه هذا ما يقرب من العامين....
لكن شيئا غريبا حدث خلال الأسابيع القليلة الماضية,و لفت أنظار الجماهير و المعدين و المشرفين, الكل بلا إستثناء.....
_سيد أكرم....بقيت خمس دقائق على بدء البث المباشر....
أسرع المذيع إثر هذه الكلمات _يجلس على مقعده الوثير, إمام الكاميرا, التي أخذ يحدق فيها جامدا إلى أن أنتهت الدقائق الخمس....
فأنطلق يقول بصوته الجهوري:
_أهلا بكم جميعا في برنامجكم الجماهيري (مواهب)
ثم أعتدل في جلسته إستعدادا لإلقاء خبر مهم جدا....
_أعزائي المشاهدين,لابد و أنكم تذكرون تلك الموهبة الفذة في مجال الرسم...و التي حصلت صاحبتها على المركز الأول لخمسة أسابيع على التوالي....وتذكرون كل ذلك الجدل الذي قام بين التقلد و المشرفين, و الذين أقترح بعضهم إقامة معرض خاص لتبني تلك الموهبة, بينما رفض الآخرون ذلك لأن صاحبة هذه الموهبة فتاة غامضة, لا يعرف لها إسم أو هوية, ما عدا توقيعها الذي تزين به كل لوحاتها و رسوماتها, توقيع....(إبنة الظلام)....
هنا صمت المذيع بضع ثوان , ليضيف أجواء من الرهبة و الغموض, بعدها تابع بقوله:
_على كل حال فإن الدولة قررت أن تنهي الجدل في هذا الأمر, وذلك بإقامة معرض لرسومات صاحبة الموهبة في قلب العاصمة يوم الأحد القادم_بإذن الله., لذا لم يتبق سوى أن تزورنا صاحبة الموهبة ,و تشرفنا بـافتتاح معرضها......
في الطرف الآخر من المدينة....
قبع منزل ريفي صغير, و سط حديقة نضرة مليئة بزهور الأقحوان اللؤلؤية...و على بعد عدة أمتار منه....
كان البحر الهائج الثائر في ذلك اليوم الغائم العاصف....
و من ذلك المنزل البسيط....
خرجت فتاة في منتصف العقد الثاني من عمرها....مرتدية رداءا أبيض, و قد أحاط لحاف أحمر عنقها الجميل....
أخذت الفتاة تمشي, وهي تتلمس الطريق بيديها, إلى أن وصلت إلى الشاطئ الصخري...
حيث جلست و إبتسامة هادئة تتراقص بين شفتيها.....
كان صوت البحر يعجبها..بل و يسحرها.....
ذلك الصوت العميق الرائع, الذي يتسلل إلى شغاف قلبها.....فيحدث روحها بلغة لا تفهمها ...لكنها تعشقها!!!
جلست هناك, و هي تحاول إستعادة شكل البحر _كما رأته آخر مرة_ من ذلك العالم المظلم الذي تعيش فيه...
و في لحظات تسللت الصورة إلى خلايا مخها.....
صورة المياه الثائرة التي تهاجم الصخور الصامدة دون كلل...
تهاجم و تهاجم و تهاجم....
حتى تغلب أو تُغلب...
و لكن مهلا....
إنها لا تُغلب أبدا....
ما معنى الهزيمة بالنسبة للبحر؟!
إنه لا يُهزم!
صحيح لم ينجح في كسر الصخر و تفتيته....
و لكن ذلك لا يعني الهزيمة أبدا...
بل يعني تكرار المحاولة ألف مرة, حتى يتحقق المراد!!!
لذا فهي تحب البحر الهائج...
تحبه بعنفوانه و قوته و ثورته...
يذكرها بالصراعات التي تموج في نفسها....
آه............
كم يشبه البحر أعماق الإنسان!!!!
إنها لا تحب البحر الساكن قدر حبها لغريمه..
فالبحر الساكن لا يتكلم كما يتكلم نظيره....
و لا يعلمنا كما يعلم نده...
إن البحر الهائج يعلمها في لحظة ...
ما لن تتعلمه في سنوات!!!
هنا أخذت تملأ صد رها بهواء اليوم العاصف...
و رائحة البحر الغاضب....
و قد أشعت إبتسامتها كثيرا ....
فأشرق و جهها إشراقة باهرة!!
جعلتها أشبه بملاك صغير....
مدت يدها إلى كيس بجوارها...
و أخرجت منه قلما و لوحة...
ثم أخذت ترسم على اللوحة ما رسمه عقلها...
و بعد ثلاث ساعات من التخطيط....
ظهرت في اللوحة صورة مطابقة تماما لما يوجد أمامها...
لم تكن ترى رسوماتها بعينيها....
لكنها تحس بها كأنها تراها تماما...
من قال أن عالم الظلام موحش مرعب؟!
إن هذا العالم يعجبها, و لم تفكر يوما في الخروج منه إلى الظلام الخارجي و لن تفعل!!!
لقد نشأت و ترعرعت في هذا العالم و ألفته....
و هي تخاف أن تتركه إلى عالم النور....
تخاف أن ترى فيه ما يصدمها و يخذلها فتندم....
و لكن دون أن تتمكن من الرجوع إلى الظلام ثانية...
كان قلبها_و لطالما كان دليلها_ ينبئها إن الظلام الداخلي ...الذي تعيش فيه برفقة خيالاتها و أحلامها و ذكرياتها...أفضل من الظلام الخارجي....
الذي ألفته ذات مرة و عاشت تحت سقفه...
لكن...ما فائدة التفكير في الأمر؟؟؟؟
إنها تعلم أن أي طبيب حاليا يمكنه أن يغلق فصل الظلام هذا....
لكنها لا تريد!!
لأنه ليس مشكلة بالنسبة لها إطلاقا!!
لقد اتخذت قرارها و لن تتراجع عنه أبدا...
لأنها تعلم أنها لن تندم...
أبدا...
و الآن....إنتهت لوحتها....
فأخذ قلمها يخط أسفل اللوحة ...
و بخط أنيق...
توقيعها...(ابنه الظلام)..
و أنطلقت الضحكات من قلبها...
عالية مجلجلة...
في أقطار السماوات و قيعان البحار.... ضحكة السرور.....و....الأمان..
تمت...
بقلم..شـــــــــــــغـــــــــاف
كان هذا البرنامج الجماهيري الأشهر على المستوى المحلي, و قد حرص كل صاحب موهبة على المشاركة فيه,و أستمر البرنامج على نجاحه هذا ما يقرب من العامين....
لكن شيئا غريبا حدث خلال الأسابيع القليلة الماضية,و لفت أنظار الجماهير و المعدين و المشرفين, الكل بلا إستثناء.....
_سيد أكرم....بقيت خمس دقائق على بدء البث المباشر....
أسرع المذيع إثر هذه الكلمات _يجلس على مقعده الوثير, إمام الكاميرا, التي أخذ يحدق فيها جامدا إلى أن أنتهت الدقائق الخمس....
فأنطلق يقول بصوته الجهوري:
_أهلا بكم جميعا في برنامجكم الجماهيري (مواهب)
ثم أعتدل في جلسته إستعدادا لإلقاء خبر مهم جدا....
_أعزائي المشاهدين,لابد و أنكم تذكرون تلك الموهبة الفذة في مجال الرسم...و التي حصلت صاحبتها على المركز الأول لخمسة أسابيع على التوالي....وتذكرون كل ذلك الجدل الذي قام بين التقلد و المشرفين, و الذين أقترح بعضهم إقامة معرض خاص لتبني تلك الموهبة, بينما رفض الآخرون ذلك لأن صاحبة هذه الموهبة فتاة غامضة, لا يعرف لها إسم أو هوية, ما عدا توقيعها الذي تزين به كل لوحاتها و رسوماتها, توقيع....(إبنة الظلام)....
هنا صمت المذيع بضع ثوان , ليضيف أجواء من الرهبة و الغموض, بعدها تابع بقوله:
_على كل حال فإن الدولة قررت أن تنهي الجدل في هذا الأمر, وذلك بإقامة معرض لرسومات صاحبة الموهبة في قلب العاصمة يوم الأحد القادم_بإذن الله., لذا لم يتبق سوى أن تزورنا صاحبة الموهبة ,و تشرفنا بـافتتاح معرضها......
في الطرف الآخر من المدينة....
قبع منزل ريفي صغير, و سط حديقة نضرة مليئة بزهور الأقحوان اللؤلؤية...و على بعد عدة أمتار منه....
كان البحر الهائج الثائر في ذلك اليوم الغائم العاصف....
و من ذلك المنزل البسيط....
خرجت فتاة في منتصف العقد الثاني من عمرها....مرتدية رداءا أبيض, و قد أحاط لحاف أحمر عنقها الجميل....
أخذت الفتاة تمشي, وهي تتلمس الطريق بيديها, إلى أن وصلت إلى الشاطئ الصخري...
حيث جلست و إبتسامة هادئة تتراقص بين شفتيها.....
كان صوت البحر يعجبها..بل و يسحرها.....
ذلك الصوت العميق الرائع, الذي يتسلل إلى شغاف قلبها.....فيحدث روحها بلغة لا تفهمها ...لكنها تعشقها!!!
جلست هناك, و هي تحاول إستعادة شكل البحر _كما رأته آخر مرة_ من ذلك العالم المظلم الذي تعيش فيه...
و في لحظات تسللت الصورة إلى خلايا مخها.....
صورة المياه الثائرة التي تهاجم الصخور الصامدة دون كلل...
تهاجم و تهاجم و تهاجم....
حتى تغلب أو تُغلب...
و لكن مهلا....
إنها لا تُغلب أبدا....
ما معنى الهزيمة بالنسبة للبحر؟!
إنه لا يُهزم!
صحيح لم ينجح في كسر الصخر و تفتيته....
و لكن ذلك لا يعني الهزيمة أبدا...
بل يعني تكرار المحاولة ألف مرة, حتى يتحقق المراد!!!
لذا فهي تحب البحر الهائج...
تحبه بعنفوانه و قوته و ثورته...
يذكرها بالصراعات التي تموج في نفسها....
آه............
كم يشبه البحر أعماق الإنسان!!!!
إنها لا تحب البحر الساكن قدر حبها لغريمه..
فالبحر الساكن لا يتكلم كما يتكلم نظيره....
و لا يعلمنا كما يعلم نده...
إن البحر الهائج يعلمها في لحظة ...
ما لن تتعلمه في سنوات!!!
هنا أخذت تملأ صد رها بهواء اليوم العاصف...
و رائحة البحر الغاضب....
و قد أشعت إبتسامتها كثيرا ....
فأشرق و جهها إشراقة باهرة!!
جعلتها أشبه بملاك صغير....
مدت يدها إلى كيس بجوارها...
و أخرجت منه قلما و لوحة...
ثم أخذت ترسم على اللوحة ما رسمه عقلها...
و بعد ثلاث ساعات من التخطيط....
ظهرت في اللوحة صورة مطابقة تماما لما يوجد أمامها...
لم تكن ترى رسوماتها بعينيها....
لكنها تحس بها كأنها تراها تماما...
من قال أن عالم الظلام موحش مرعب؟!
إن هذا العالم يعجبها, و لم تفكر يوما في الخروج منه إلى الظلام الخارجي و لن تفعل!!!
لقد نشأت و ترعرعت في هذا العالم و ألفته....
و هي تخاف أن تتركه إلى عالم النور....
تخاف أن ترى فيه ما يصدمها و يخذلها فتندم....
و لكن دون أن تتمكن من الرجوع إلى الظلام ثانية...
كان قلبها_و لطالما كان دليلها_ ينبئها إن الظلام الداخلي ...الذي تعيش فيه برفقة خيالاتها و أحلامها و ذكرياتها...أفضل من الظلام الخارجي....
الذي ألفته ذات مرة و عاشت تحت سقفه...
لكن...ما فائدة التفكير في الأمر؟؟؟؟
إنها تعلم أن أي طبيب حاليا يمكنه أن يغلق فصل الظلام هذا....
لكنها لا تريد!!
لأنه ليس مشكلة بالنسبة لها إطلاقا!!
لقد اتخذت قرارها و لن تتراجع عنه أبدا...
لأنها تعلم أنها لن تندم...
أبدا...
و الآن....إنتهت لوحتها....
فأخذ قلمها يخط أسفل اللوحة ...
و بخط أنيق...
توقيعها...(ابنه الظلام)..
و أنطلقت الضحكات من قلبها...
عالية مجلجلة...
في أقطار السماوات و قيعان البحار.... ضحكة السرور.....و....الأمان..
تمت...
بقلم..شـــــــــــــغـــــــــاف